mercredi 22 février 2012

ما الّذي كنّا ننتظره من المرزوقي؟

اقترن اسم هذا الرّجل بالنّضال ضدّ القمع والاستبداد والعمل من أجل إرساء ذهنيّة احترام الإنسان وحقوقه فحبّر في هذا المجال كتبا تعدّ بالعشرات. كتب عن الثّورة والثّوّار كما كتب عن التّعذيب والحرمان والتّهجير القسريّ والقتل الآخر للتّونسيّين. باختصار، كان صاحبنا يحمل مشروعا فكريّا متكاملا حاول تجسيده مع ثلّة من صحبه في حزب سياسيّ بعد عمله في الرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان. وشاءت الأقدار أن تهبّ ريح عاصفة رحّلت بن علي إلى السّعوديّة. فقفز المرزوقي إلى الحكم بعد أن عيّنته النّهضة، ولا تهمّنا التّفاصيل في هذا الشأن الّذي قد نعود إليه في وقت لاحق.
فما الّذي انتظرناه من المرزوقي أوّل رئيس تفرزه ثورة في تاريخ تونس؟
ببساطة انتظرنا أن يعلن المرزوقي يوم السّابع عشر من ديسمبر عيدا وطنيّا للثّورة انتصارا للّذين رفعوه على دمائهم وأعناقهم إلى سدّة الحكم. أولئك الّذين أحرقوا شبابهم وسالت دماؤهم ليأتوا بالمرزوقي المنفيّ منذ سنوات تصفعه رياح الغربة حين يمسي وحين يصبح. ولكنّه خذلهم وخذل التّاريخ، فحافظ على لوحة صغيرة تختزل الثّورة التّونسيّة العملاقة في لافتة بحجم كفّ اليد علّقت في ساحة 7 نوفمبر سابقا حاملة تسمية ثورة 14 جانفي، ولئن كنت أتفهّم خجل هذه العلامة وصغر حجمها بسبب قربها من مركز القمع والاستبداد: وزارة الدّاخليّة، فإنّني لم أفهم خوف المرزوقي ولم أجد له سببا، فلمّا زار سيدي بوزيد بعد تولّيه الرّئاسة قال إنّ التّاريخ يفرض نفسه وسمّى الثّورة ثورة 17 ديسمبر، ولكنّه تنكّر لكلماته حالما عاد إلى العاصمة.. فكذب المرزوقي مرّتين: مرّة كذب على نفسه لأنّه وسم الثّورة على أرض علي بن غذاهم بما لم يكن مقتنعا به. وكذب ثانية عندما وسمها ثورة 14 جانفي ولكنّ كذبه هذه المرّة لم يكن على نفسه ولكنّه كلن كذبا على التّاريخ حيث البقاء للحقيقة لا للزّيف!
وانتظرنا من المرزوقي قرارا بمراجعة النّظام التّعليميّ في تونس من الألف إلى الياء بعد تكليف لجنة من الخبراء التّونسيّين تكون لهم مهمّة إعادة بناء المنظومة التّعليميّة بأسرها.. حتّى يحدّ من سيل الخرّيجين الّذين تراكموا على ساحة طلب العمل دون أن تكون للكثير منهم الكفاءة اللاّزمة للحصول عليه.. وذلك طبعا بسبب تركيز بن علي على الكمّ لا على الكيف لأنّه كان جحشا لا يمتّ إلى الثّقافة بصلة.. وكان برنامجه أن لا تغرق البلاد بالجهلة الّذين قد يشنّون عليه وعلى نظامه الحقير ثورة من نوع ثورة صاحب الحمار، غير أنّ السّحر قد انقلب عليه فوقع في الجبّ الّذي حفره للشّعب التّونسيّ، فكان أن أشعل السّيل من الخرّيجين والمعطّلين ثورة "رقميّة" لم يحسب لها العالم حسابا.
وانتظرنا من المرزوقي أن يعيد إلى هذا القطاع هيبته بعد أن أضحى المثقّف في تونس كغريب أبي حيّان التّوحيدي. وأضحى الأساتذة كأنّهم الأيتام يرزحون تحت الفصل الأوّل من النّظام التّوجيهي للتّربية حيث أصبح التّلميذ "محور العمليّة التّربويّة" مع أنّه كان كذلك وسيظلّ. ففهم التّلاميذ هذا الفصل على أنّه فتح لفائدتهم فأصبحوا يتطاولون على الأساتذة فيضربونهم ويعنّفونهم بدعوى أنّهم أهمّ عنصر في التّربية..
كما انتظرنا من المرزوقي أن يعزّز الثّقافة التّونسيّة الأصيلة الضاربة في القدم من خلال لفت الانتباه إلى أنّ التّونسيّين ليسوا لقطاء ولم يأت بهم واد من الأودية، بل إنّهم ينتمون إلى ثقافة أصيلة تغلغلت في صميم صميمهم منذ القدم، فلا أحد في العالم يشبههم ولا هم يشبهون أحدا، إنّهم ماركة تونسيّة مسجّلة..  انتظرنا إقرار شهر للثّقافة الوطنيّة في تونس وانتظرنا إقرار أسابيع ثقافيّة تونسيّة تجوب العالم بأسره رافعة العلم التّونسيّ الّذي قدّر له أن يكون ثوريّا لا يعرف الانحناء ولا الانكسار.. أين فنّانو تونس ومؤرّخوها وراقصوها ورسّاموها وسينيمائيّوها وكتّابها وشعراؤها ومفتوها وسياسيّوها وعلماؤها وبسطاؤها؟ أين عاداتها وتقاليدها؟ أين دينها وجوامعها ومتاحفها وأساطيرها وقادتها التّاريخيّون؟ أين فلاسفتها؟ أين صحفيّوها؟ أين زيتونها وعنبها وبرتقالها؟ أين زعترها وإكليلها وجبالها وأوديتها؟ أين.. وأين؟ أين كلّ ذلك ممّا حصل في تونس؟ خمد كلّ شيء وانتهى أمره ولم يبق على السّاحة إلاّ بعض المشعوذين والشّحّاذين الّذين يتنقّلون من مكان إلى مكان يتمسّحون على أعتاب الأنظمة الاستبداديّة طلبا لمعونةٍ مُذلّة.
ثمّ إنّنا انتظرنا من المرزوقي مهرجانا للثّورة يليق بمقامها وبمقام الثّوّار. تتواصل فعاليّاته على مدى الأيّام التّسع والعشرين للثّورة التّونسيّة يعمّ أرجاء البلاد ويمكّن خلاله الموظّفون من أسبوع للرّاحة لكي يشاركوا في فعاليّاته.. ولكي يكون هذا المهرجان عرسا حقيقيّا لتونس الّتي تفتح ذراعيها لملايين الزّوّار من كلّ بقاع الأرض موسيقيّين وأدباء وشعراء ورسّامين ورياضيّين ورؤساء ووزراء ومستكشفين... علما أنّ بن علي البائس كان أوفى منّا لانقلابه التّاريخيّ فخصّص أسبوعا بنفسجيّا كاملا. وإنّ ذلك لمن العجب العجاب.
وانتظرنا من المرزوقي إقامة شبكة من اللّجان  المختصّة تختصّ كلّ واحدة في مجال من مجالات الحياة في تونس تشخّصه وتقف على نقائصه وتعيد بناءه من جديد.. كما انتظرنا تهيئة المجال للمهجّرين لكي يعودوا إلى أرض الوطن.. يعود الباحث إلى جامعته والطّبيب إلى مستشفاه والمهندس إلى مكتبه والعالم إلى مخبره.. وانتظرنا بعث أوّل مصنع للسّيّارات التّونسيّة وما ذلك على من قاموا بأنظف ثورة في التّاريخ ببعيد.
وانتظرنا أن تدخل الثّورة التّونسيّة برامج التّعليم حتّى يتربّى النّشء على احترام مبادئها وحتّى يفهموا ما الّذي حصل من حولهم.. انتظرنا وانتظرنا.. وطال انتظارنا.. غير أنّ عقارب السّاعة ظلّت تدور متباطئة كالملل.. ولا علامة تدلّ على وطن من الأوطان كما قال محفوظ.. لم نر سوى طيف يتحرّك كالفيل من مكان إلى مكان داعيا إلى وحدة مغاربيّة حينا، طاردا سفيرا سوريّا حينا آخر.. زائرا الجنوب حينا مجتمعا برجال الأعمال حينا آخر.. لابسا برنسا حينا مرتديا بدلة غربيّة حينا آخر.. فأين المرزوقيُّ الثّوريُّ الحقوقيُّ التّقدّميُّ؟! أم إنّ صاحبنا كان يبعبع بكلام فارغ صعد به إلى سدّة الحكم وانتهى الأمر بتحقّق غايته الأسمى: "أنا الرّئيس"؟!. لكم يؤسفنا تحوّل الأسود إلى ضباع.. ولكم يؤسفنا تحوّل الذّئاب الكاسرة إلى خرفان مطيعة كأنّها الرّيشة تتلقّفها ريح لترميها في أحضان أخرى.. لقد تداخلت الأمور في ذهن المرزوقي فلم يعد يعرف إلى الصّواب طريقا.. ربّما بسبب ضيق صلاحيّاته الّتي تنازل عنها من أجل ركوب كرسيّ الرّئاسة، وربّما بسبب ارتمائه اللاّمشروط في أحضان فئة الشّدّ إلى الوراء الّتي تحالف معها.. وإنّي لأخشى على المرزوقي في ظلّ هذه العاصفة الّتي أفقدته صوابه أن يكون أوّل رئيس للجمهوريّة التّونسيّة يفقد صوابه بسبب جلوسه على كرسيّ الحكم!

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire